أسقطت الخطوط الحمراء وقلبت موازين الشرق الأوسط
01 Mar 202612:59 PM
أسقطت الخطوط الحمراء وقلبت موازين الشرق الأوسط
اليسا الهاشم

اليسا الهاشم

 

أربع وعشرون ساعة أعادت رسم خريطة النفوذ في الشرق الأوسط. واقع جديد أعقب الضربة المشتركة الأميركية ‑ الإسرائيلية التي أزهقت حياة المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي وعدداً من كبار المسؤولين، محدثة صدمة قوية داخل منظومة الحكم في طهران.
الرجل الذي حكم إيران 37 سنة، مستنداً إلى القمع الداخلي وتوسيع النفوذ الإقليمي عبر وكلاء وحروب بالوكالة، رحل.

لم تكن الضربة مهمة برمزيتها فقط، بل لانها عملية دقيقة أوجعت قلب منظومة القرار الإيراني، فُككت خلالها خطوط القيادة والسيطرة، وأُدخلت المنظومة في حالة إرباك استراتيجي غير مسبوق. مقتل كبار القادة إلى جانب خامنئي عمّق هشاشة النظام وأعاد ترتيب أولوياته الإقليمية. ما كان يُعتبر مواقع محصنة أصبح مكشوفاً، وما كان يُنظر إليه كخط أحمر، تجاوزته الوقائع.
منذ عملية اغتيال حسن نصرالله، يعاني حزب الله فراغاً قيادياً واضحاً على المستوى الإداري والعسكري، ما اضطر إيران لإرسال الحرس الثوري لإدارة شؤون الحزب مباشرة من الأراضي اللبنانية، ليصبح القرار بنحو غير مسبوق بيد طهران بالكامل. ومع الفراغ الحالي على مستوى القيادة في طهران، تتصاعد المخاطر على إدارة الحزب وهيكله العسكري، وتطرح تساؤلات استراتيجية حول مدى قدرة الحزب على اتخاذ قرارات مستقلة وسط هذا التغيير الجذري في موازين القوة الإقليمية.
حزب الله، الذي يقدم الولاء الديني والسياسي للولي الفقيه، يواجه اليوم معضلة استثنائية: أي خطوة قد تُجرّ لبنان إلى مواجهة كارثية، بينما أي صمت قد يضعف مصداقيته الاستراتيجية داخل النظام الإيراني وفي المقابل، السلطات اللبنانية ومختلف القوى السيادية كررت الدعوات لتجنيب لبنان أي صراع إقليمي، ورفض الانزلاق مجدداً إلى حرب مدمرة.
إن استمرار الجدل حول احتمال تدخل حزب الله في مواجهة إسرائيلو أميركية - إيرانية يكشف حقيقة واحدة: الدولة اللبنانية لم تستعد بعد السيطرة الكاملة على قرار الحرب والسلم، رغم تصريحات الرئيسين عون وسلام وقرارات مجلس الوزراء في جلسات 5 و7 آب ٢٠٢٥ حول احتكار السلاح. ان قدرة الحزب على اتخاذ قرار أحادي بفتح جبهات جديدة يعكس تحدياً للدولة ومجلس الوزراء، بينما لبنان، منهك اقتصادياً واجتماعياً، يحاول تفادي حرب مستحيلة تحمل أعبائها.
الواقع انه من المستبعد ان يخلع الحزب ثوبه رغم الضغوط الداخلية، فالواجب الديني والعلاقة العقائدية العضوية تلزمه "الانتقام" لقتل مرشده الروحي ونائب المهدي على الارض حتى وان كلفه ذلك وجوده وقد اكد امينه العام نعيم قاسم اليوم  القيام "بواجب التصدي للعدوان وعدم ترك ساحة المقاومة".

هذه الحرب تغيّر قواعد اللعبة الإقليمية. المناوشات السابقة كانت ضمن إطار ردع مضبوط، أما اليوم فقد توسعت ساحات المواجهة لتشمل دول الخليج والعراق والأردن، ولبنان خاصة تحت ضغط متصاعد. الحرب القائمة تهدف إلى تقويض النظام في إيران، وتحولت إلى أزمة إقليمية متعددة المسارات، مرتبطة بموقف الولايات المتحدة، إسرائيل، واستقرار الخليج، وما إذا كانت هناك مخرجات واضحة للتهدئة. لبنان على صفيح ساخن. أي خطوة خاطئة من حزب الله قد تُسقطه في مواجهة مفتوحة، بينما أي انكفاء قد يقوّض دوره الاستراتيجي وسلطته داخل محور المقاومة. الصمت، حتى الآن، له دلالته: الامتناع عن التصعيد يوضح أن خطاب الردع ربما تجاوز الالتزام العملي، بينما أي تصعيد يؤكد أن المواجهة تجاوزت حدود السيطرة التقليدية. على نطاق أوسع، تهدف الحرب إلى إعادة ترتيب النفوذ الإقليمي، تقويض شبكة وكلاء إيران، تفتيت تأثيرها من الخليج إلى البحر الأبيض المتوسط وأبعد، وفتح مساحة لإعادة ضبط المعادلات التي بقيت سائدة منذ 1979. لكن القيود الهيكلية صارمة، القوة الجوية وحدها لا تصنع التحولات السياسية، والانهيار المستدام للنظام يحتاج إلى محركات داخلية مثل انشقاق النخبة، تعبئة الشارع، أو تفكك السلطة. القوة الخارجية قد تسرع الانهيار، لكنها لا تصنع الشرعية ولا تضمن قيادة جديدة منظمة. التاريخ الإقليمي يقدم تحذيراً دائماً، فالحروب التي تبدأ بأهداف محددة غالباً ما تتحول إلى صراعات طويلة المدى، مشكّلة بنتائج غير مقصودة. أحياناً، في ساعات، تنقلب كل الموازين وتتغير قواعد اللعبة، والساعات القليلة المقبلة ستحدد مصير الحزب ومعه لبنان فهل يستجلب استعراض الحزب في الضاحية ضربة استباقية اسرائيلية؟